ابن قيم الجوزية
209
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الأمم تسبح » « 1 » فهي أمة مخلوقة بحكمة ومصلحة ، فإعدامها وإفناؤها يناقض ما خلقت لأجله ، واللّه أعلم بما أراد رسوله . قال ابن عباس في رواية عطاء : « إلا أمم أمثالكم » يريد : يعرفونني ويوحدونني ، ويسبحونني ويحمدونني مثل قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ( 44 ) [ الإسراء ] ومثل قوله أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ( 41 ) [ النور ] ويدل على هذا قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ( 18 ) [ الحج ] وقوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ ( 49 ) [ النحل ] ويدل عليه قوله تعالى : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ( 10 ) [ سبأ ] ويدل عليه قوله وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ( 68 ) [ النحل ] وقوله : قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ( 18 ) [ النمل ] وقول سليمان : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ( 16 ) [ النمل ] . وقال مجاهد : أمم أمثالكم : أصناف مصنفة ، تعرف بأسمائها . وقال الزجاج : أمم أمثالكم في أنها تبعث . وقال ابن قتيبة : أمم أمثالكم : في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقّي المهالك . وقال سفيان بن عيينة : ما في الأرض آدميّ إلا وفيه شبه من البهائم ، فمنهم من يهتصر « 2 » اهتصار الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ، منهم من يتطوّس كفعل الطاوس ، ومنهم من يشبه
--> ( 1 ) مر قريبا . ( 2 ) يأخذ الشيء بشدة وعنف .